الشيخ محمد رشيد رضا

491

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري من حديث المغيرة بن شعبة قال : ما سأل أحد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدجال ما سألته وإنه قال لي « ما يضرك منه ؟ » قلت لأنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء قال « بل هو أهون على اللّه من ذلك » وفي رواية مسلم يقولون إن معه جبال خبز ولحم ونهر من ماء . وقد أولوا هذا لتصحيح ذاك ، ويتأمل قول جابر : يقولون إن معه كذا وكذا ، ولم يقل إنك قلت هذا . ومن التعارض أيضا ما ورد من اختلاف الروايات في المكان الذي يخرج منه ، ففي بعض الروايات انه يخرج من قبل المشرق على الابهام . وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم انه يخرج من خلة بين الشام والعراق ، وفي رواية أخرى لمسلم انه يخرج من أصبهان ، وفي حديث الجساسة عنده انه محبوس بدير أو قصر في جزيرة في بحر الشام - أي البحر المتوسط وهو في الشمال - أو بحر اليمن وهو في الجنوب وانه يخرج منها ، وروى أحمد والحاكم انه يخرج من خراسان . وقد حاول شراح الصحيحين وغيرهم الجمع بين الروايات المتعارضة في كل مسألة فجاؤوا بأجوبة متكلفة ردها المحققون كلها أو أكثرها ، وفيها من المشكلات غير ما أشرنا اليه ولا سيما الروايات في ابن صياد وما كان من حلف عمر بن الخطاب ( رض ) عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انه هو الدجال وإقراره صلّى اللّه عليه وسلّم إياه على ذلك ومتابعة جابر بن عبد اللّه إياه على هذا الحلف كما في الصحيحين عنه وقد أجاب بعضهم عن الأخير بأن هذا التقرير قد نقضه التصريح منه صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر بخلافه حين قال له دعني أضرب عنقه فقال « ان يكن هو فلن تسلط عليه » الخ الحديث وهو في الصحيح ، وقد رد الحافظ ابن حجر بعض تأويلات الحافظ البيهقي في مولد ابن صياد وصفاته وفي إقرار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر على حلفه ، وعده قصة تميم الداري مرجحة لكونه غير ابن صياد ، وكون عمر كان يحلف حلفه قبل سماعه لهذه القصة - لهذا أخص هذا الحديث بشيء من التفصيل فأقول ان فيه عدة مباحث ( 1 ) كان تميم الداري من عرب فلسطين ( سورية ) وقد وصف بأنه كان راهب زمانه وقد جاء هو وأخوه نعيم المدينة في آخر عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سنة تسع من الهجرة وأسلما وحدث هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحكاية الجساسة الغريبة ، وذكروا انه كان